الخميس، 31 يناير 2013

عتق*

 

توقف حلم السفر عن مراودته بالتدريج مع انغماسه في علاقته الجديدة مع جارته المطلقة. بات أقرب إلى التصاقها بالأرض، وأبعد عن تعلقه القديم بالسماء. بالتوازي، وبالتدريج أيضًا، نمت الغواية بصدر أبيه. رغبة آثمة بالتأكيد: معاشرة حبيبة ابنه التي لم يرض في البدء عن اتصاله بها.

 صوتها الناعس، كلماتها الممدودة في غير وضع مد، وما عرفه عن حيلها لإيقاع ابنه أثارا في نفسه كوامن كاد ينساها، تعود إلى زمنٍ كانت الأرض به أقرب إلى طبيعتها. حاول المقاومة، بصدق، ولم يستطع.

 قاومتْ، بعنف، ثم ما لبثت أن لانت له. انهيارها كان عنيفًا ومفاجئًا. وقت استسلامها كان وقت اشتداد إحساسها باليأس من حبيبٍ أدمن التحليق. لم تدر أنه قرر الاستقرار فوق سطح بيتها.

 في اليوم نفسه علم بأن أبيه قد باع البيت، مُمَوِّل حلم السفر، ورآه وحبيبته فوق سريرٍ كان بالأمس سريره. قتله بدمٍ بارد. اكتفى تجاهها بنظرة احتقار، وراح ينتظر مصيره فوق قارب بنيل الكيت كات.

  

* من وحي "مالك الحزين" للأستاذ إبراهيم أصلان.

الأربعاء، 16 يناير 2013

خلف نافذة

[1]

صاح بعبارة نابية لاعنًا التكييف المركزي وفتحها. يمقتُ الرؤية من خلف نافذة مغبَّشة، ويمقت جدران الإسمنت.

هرع عامل دورة المياه، بكتل الصوف غير المتسقة على جسده، لينظر كيف اقتلعت الريح مزلاجًا أحكم به إغلاقها. عبارة نابية أقسى خطرت له إذ رأى من تعمد فتحها يدخن مستمتعًا ونصفه الأعلى خارجها. كتم عبارته خوفًا وملامحه الممتعضة تُفصح: موظف شاب، مشبع طعامه دافئ جسده، خلع سترته ورابطة العنق ولا يرتدي تحت قميصه هذا شيئًا. 

غمغم، بينما يغلقها دون استئذان، من خلال ابتسامة صفراء: لا مؤاخذة يا بيه. في تكييف عندكم جوّه، والدنيا دفا. إحنا بنموت هنا.  

[2]

 -        يا كريم يا رب. استرها وهدِّي سر البت بحق جاه النبي.

 لا تحفظ «أم طارق» أدعية نمطية. أتاها «فاروق السنّي» بكتيب تقرأ منه فتكسب ثواب الأذكار. لم تستطع مجاراته في حفظ ما لا يفهم. الله يحس ما تعانيه، هو وحده من يفعل، ولا يحتاج منها إلى حديث، فضلًا عن أن يكون منمقًا. تقضي يومها بجوار دورة المياه الخاصة بإناث المؤسسة، تقرأ القرآن. تتناول الفول أو الكشري مع زميلها «إبراهيم»، وموضوع واحد للحديث: ابنتها ومشكلاتها مع زوجها.

 الرياح اليوم منفلتة، والسماء حبلى بالمطر. لو جاءها المخاض ستتحول شوارع الحي الفقير إلى مستنقعات وقد يسقط «شعبان» من فوق «المكنة» فيحيل ليلة «زينب» إلى نكد.

[3]

قنع بتأمل السماء من خلفها رفقًا بـ«إبراهيم». يسترق دقائق هرب من رتابة المحيط ونفاقه.

اشتد الإغراء بنزول المطر. انتبه «إبراهيم» لبقائه وتحفز لشجار لو أُعيد فتح النافذة، غير آبه بما قد يليه. زاده المطر ضيقًا وتخوَّفَ من مصير السقوط من فوق «المكنة» في المستنقع. اقتحمت «باكينام» المشهد، بحجابها البرتقالي وحذائها الأحمر وطلاء الملابس على جسدها متدفق الحيوية..  

 -        أيوة يا ماما. الدنيا مطرة وهدومي هتبوظ والكعب هيوقعني. تخيلي السايس لقيته كان بياكل كشري في العربية، ومسك الدركسيون من غير ما يغسل ايديه...

 جذب حديث «باكينام» انتباه الواقفَين، المتأمل منهما والمتحفز. المتأمل تملَّك منه الضحك، والمتحفز بات تحفُّزه بسببها أكبر من أن يُحتمل. تابعاها حتى مضت، ولم تُنهِ شكواها، ليجدا «أم طارق» بقربهما، لِصق النافذة، تبكي وتبتهل إلى الله، تحاول تذكر الدعاء الذي قال «فاروق» إن الله يجيب قائله عند المطر.

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

إذا دعاه

يتسرب الدفء إلى العروق فبالنوم يغري. تصل إلى مسامعه دعابات المصطفين حول النار، ونقاشاتهم التي لا ينوون استكمالها بجدية كي لا يفسَد جو السمر. لا بديل عن الكلام بليلهم؛ حيث لا ناقل للأخبار إلا النجوم. تركوا ما يفرقهم بالمدينة وعادوا بالبادية أجسادًا تطلب الطعام والشراب والدفء، وأرواحًا تطلب السلام؛ لذا لم يرَ فيهم المتعب جحيم سارتر. لم يهتم بحكايات القديسين، ولا تأثر بإعادة قصة الجبل الذي خرَّ من الخشية. انتبه لحديث العقارب ولدغاتها. لفظ النوم، وهَبَّ لصعود الجبل كما صعد موسى، ولتواجهه العقرب هناك.

كلما ابتعد عن الأرض بات الهرب من التفكير أكثر استحالة. الموسيقى والإجهاد البدني يزيدان وطأته على عكس ما توقَّع. ملائكة السماء الأولى لم تتوقع أيضًا أن تستشعر نبضات قلبه. اعتبرته دائمًا من المعرضين. أمضتْ ليلتها مع صرخات أطفال «سيد» ونحيب زوجته في انتظاره.

الصباح، كم يبدو بعيدًا! يعدُ طيف الجبال، البادي من خلال فرجة ضوء المصابيح، بجمالٍ لا نهائي إن الشمس أشرقت. استند مع رفاقه إلى صخرة على القمة، تحت سفح السماء. تكتلت أجسادهم ودار الحديث بلا معنى عساه يبدد وحشتهم. تردد «سيد» بين الصراخ وكتم ألم الكلى. توحشت الريح وألقت بقطع الثلج والحصى فوق رؤوس الواقفين بالباب. جمدت عظام السائلين. نفدت الحيل.

 


الخميس، 1 نوفمبر 2012

بعث

[1]

سنة وشهر وخمسة أيام. أجلس هنا منذ يأنس الناس ببيوتهم وساكنيها، وحتى الصباح. فرد أمن. تتنافس العلل بجسدي ولو هاجم المكان أحدهم لن أقاوم. على الأقل أجد ثمن الدواء. الفضل للعم محمد. لم يتوسط أحد لتعيينه في شبابه. توسطت له عاهته. في زمنه كانوا يسافرون إلى ليبيا، فمن يقبل بمصاحبة أجساد ينتظر ابتلاعها التراب؟

يسهر بينهم وينام، ما لم يغلَق الباب. يحول دون انغلاقه بحجرٍ يحرص عليه كحرص رئة غارق غلبه البحر على الهواء. أساعده مع كل وارد جديد ثم أنسحب رعبًا وهو مني الضحوك. لم يضحك الليلة. تمتم باسم الميت مرتين. حسين عبد العليم مخلوف. دقق بالكشف وتسمر قليلًا أمام الوجه، قبل إتمام التوقيعات. منذ أتى الزائر الجديد طال صمته، وزاد عرجه. انفرد به. أزاح الحجر وأغلق دونهما الباب. 


[2]

وحدك معه. ممددٌ أمامك، ضعيف تافه. لو تركته خارج البراد لتحلل كلحم فاسد عفن. وحيد دون صحبته. لن يجمع لك الآن تابعيه ولن يحاصروك في ركنٍ ويغلقون الباب فيبدأ الضرب. تملك أنت الباب وتملك حق الضرب. فقد وجهه حمرته، وذبلت عضلات تفاخر بها في الزمن القديم. لكن فخذه سليمة وساقه مستقيمة. لم ينتقم الله منه بعدُ.

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ). الله يناديك، رسالة عبر المذياع أن الانتقام حق. نعم، «حياة» وهو ميت. لكن الله يحييه، وسيعذبه في قبره قبل بعثه إلى جهنم. سيشعر جسده هذا بالألم عمَّا قليل. آلمه الآن. دع عنك خوفك من انتهاك حرمة الموت. لا حرمة لمن انتهك حرمة الحياة. أنت هنا بسببه وها قد أُعيد إليك. لولاه لتزوجتك نادية ولفرحت بابن منها وأحفاد. لولاه لما جالست الأموات.

لا تضيِّع الوقت أكثر.

الفرصة تفلت.

الرائحة بدأت في النفاذ.

أنزل به عقاب الله.

هنا، أسفل فخذه اليسرى.

يطرقون الباب الآن.

يحاصرونك لتحرم مجددًا من الحياة.

أسرع.

الأحد، 14 أكتوبر 2012

انعكاس المشاعر على الوصف - تباين بين رجل وامرأة

 


Young mother and Her Children - Paul Delaroche


(1) رجل انفصل عن زوجته لخيانتها. هو ظن لم يسعه التأكد منه:

ما أتعس هؤلاء الأطفال! يتحلقون حول امرأة لا تقدر كنزها. الرضيع يخشى السقوط ويتشبث بها عبثاً. وابنة محبة تتعلق بذراعها وتطلب حنانها، ولا إجابة. وتلك تلعب، لكنها تعيسة. حريصة على الجوار مفتقرة إلى الأمان. الابن الأكبر أقرب إلى الفهم. التفت عنها لكنه لا يستطيع مواصلة رحلته..

ما أتعس هؤلاء الأطفال! تتطلع سارحة - بينما تدمر حياتهم - إلى ما ستقترفه من الآثام. هي امرأة في النهاية.


(2) زوجة تحلم بالأمومة، وأملها يحاصره مرور الوقت:

عيونه جميلة. يداعب صدرها بقدمه الصغيرة ليشد انتباهها كله إليه. أخته الكبرى تغار منه، وتلف يدها حول ذراعها وتهمس بأذنها لتستثير عطفها وتثبت أحقيتها بحكم أسبقية الولادة!

وتلك اللاعبة. ثنت قدميها واتكأت في راحة تلهو. راحة يبعثها أمان ساقي الأم تستند إليهما. والأخ الأكبر يحتفظ بمسافة ليدلل على عمره وليبدو مستقلاً، لكنه لا يترك محيط الأم. محيط الحب. هي تبدو متعبة. تريح وجهها على ساعدها. متعبة. أعباء ومهام لا تنتهي. لكن نظرتها تمتن لكنز تهون الحياة لأجله.